؛“رتيبة هي الحياة!؛ لا غمام؛ لا بسمة قلبٍ؛ ولا غناء
تتكدس الوجوه المتجمدة من حولنا بملامحها المتشابهة
يتوارى الجمال
تضمر الأرواح
ويستكين الفرح مستسلماً لكل أشكال التجمّد
وقوف
كل اللحظات تقف حداداً على إيقاع الحياة الجنائزي؛ وقريباً سنُشيّعنا من جديد في توابيت الأيام
لم تصعد أرواحنا بعد؛ ولم تتآكل أجسادنا؛ فنحن لم نمت تماماً؛ وسنظل أبداً نحتضر فقدنا شهية ما فقدناه؛ لم نعد نشتهي البسمة؛ والمطر؛ ولا حتى الغناء
عندما تفور الحشرجة نشتهي الموت و.. فقط ..”
اعترف أن تلك الأسطر القاتمة نزفت من قلمي «المتفائل» ذات لحظة مضت إلى الزمن البعيد؛ وأنها تحتل صفحة بارزة في دفتر مذكراتي قليل الصفحات!؛ وأجزم أيضاً أنه ما من إنسان على هذه الأرض إلا وتمضي عليه لحظات يردد فيها بإصرار صادق: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً؛ رغم زخم السواد هنا – الذي اعتذر عنه – إلا أننا يجب أن نتعامل مع هذه اللحظات المحتمة علينا بقدر عالٍ من البشرية
كيف؟
ببساطة نكون بشراً وفقط!؛ نتفاعل مع الحزن؛ برقرقة الدمع الحار والنحيب الشافي؛ و«يا عين جودي بالدموع المستهلاتِ السوافحِ ، إن البكاءَ هو الشفاء من الجوى بين الجوانحِ»؛ نمزق بعض الأوراق التي على مكاتبنا؛ وإن شئنا فلنكسر كأساً زجاجياً في أقرب حائط!! دون أن نصل إلى الضرر بأنفسنا أو الإضرار بغيرنا؛ أو ما يحرم من التسخط واللطم والنياحة؛ قد يبدو الأمر غريباً عند كثيرين؛ وقد يعتبرونه نوعاً من النزق؛ وعدم الصبر؛ بينما نحن نفعل ذلك احتراماً لبشريتنا؛ وتقديراً لـ«إنّ القلب ليحزن»؛ وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وألقى موسى – عليه السلام – الألواح من يده عندما غضب لعودة قومه إلى الشرك؛ وخرج يونس من دار قومه غاضباً منهم دون أن ينتظر إذن الله عز وجل له؛ فالتقمه الحوت وتاب فتاب الله عليه؛ إنهم مجرد بشر أصفياء يمارسون بشريتهم ببساطة رغم اصطفائهم وسمو أرواحهم
إن محاولة البعض قتلَ مشاعر الحزن النبيلة؛ بتجاهلها وعدم الاعتراف بها؛ أو كبتها؛ ليبدو أقوياء أمام أنفسهم وأقدارهم ومن حولهم؛ هي في الحقيقة محاولة تؤول للإخفاق فوراً؛ لأنها محاولة تتصادم مع الفطرة؛ مع الطبيعة، و رغم أنهم نجحوا في الظهور لنا كأقوياء يستقبلون الصدمات بابتسامة ثبات؛ إلا أنهم في الحقيقة يضاعفون من أثر العواطف السلبية عليهم وهم غالباً أصحاب صيدليات متنقلة في العلاجات النفسية؛ يتقاطعون مع أولئك البيِّن ضعفهم؛ فشحنات الحزن لا تتلاشى كقانون الطاقة التي لا تفنى؛ وإنما تنتقل من طور إلى آخر؛ وتتغير هيئتها بتغير أطوارها ويبقى البشر المنسجمون مع بشريتهم؛ المتآلفون مع عواطفهم السلبية؛ هم الأقوياء حقيقة؛ عندما يحترمون آلامهم ويحتضنونها إلى أن تغادرهم بسلام؛ هم ليسوا مفرطين في الإيجابية ولا التفاؤل؛ ولا غافلين عن طبيعة الحياة المتقلبة؛ لكنهم يتعاملون مع الظروف السيئة باتزان ونباهة؛ وفق قانون الكشافة الرائع كن مستعداً مستعدون لاستقبال أحزانهم وظروفهم السلبية بكل قوتها ويخرجونها بنفس القوة؛ كضيف عزيز حلّ أهلاً ووطأ سهلاً
الألم – في نظري – هو شطر السعادة؛ وهو الذي يظهر لنا قيمة الشطر الآخر «الفرح» متى ما تعاملنا معه بحرفية بشرية!؛ فلا يكاد يولد مبدع إلا من رحم المعاناة؛ والنفس بطبيعتها يحفر فيها الألم دروساً عظيمة وقيمة أكثر مما يفعل الفرح؛ ويؤهلها ويدعم قوّتها المعنوية بضرباته المتكررة؛ وبقليل من التأمل نعرف أننا مدينون له بالكثير
إن السعادة المحضة لا تكون إلا في الجنة؛ والشقاء المحض لا يكون إلا في النار – أجارنا الله -؛ فمن يطلب الآن السعادة المحضة هو يستعجل رزقه!؛ ومن يظن أنه يعيش الآن الشقاء المحض هو يوهم نفسه. فالابتلاء الحقيقي لا يتحقق في تلك البيئتين لاستحالته؛ ولأن الدنيا هي محط الابتلاء فلا بد أن يمزج فيها من هذا وذاك، وعندما يتعذر خيار التغيير فلا بد أن نلجأ بذكاء إلى خيار «التكيّف» الإيجابي مع هذه الدنيا المشبعة بالجمال في كل أحوالها؛ فإذا انسجمنا مع هذه السنن الكونية؛ وتفهمناها؛ واحتوينا شعورنا – للحظات فقط – اشتهاء الموت فإننا سندرك أن هذه اللحظات القاسية هي ما يكوّن اتزاننا النفسي وسعادتنا؛ وهي التي ستجعلنا نحب الحياة؛ ونعيشها بشغف أكبر. كونوا بحب.
4 يونيو, 2008 عند 2:11 ص |
لم أشتهي الموت إلا في لحظات نادرة .. اقل من أصابع اليد ..
وأتذكرها جيداً ..
نتذكر الأحزان أكثر من غيرها ..
لا أدري .. أحببت أن أمر من هنا ..
وأثرثر
17 نوفمبر, 2008 عند 4:38 ص |
رائعه بجدارة من أروع المقالات التي شعرت
بالكلمات و كأنها تكتسب صبغة ملائكية هي حروف من النعيم
على رغم ألمها الا أنها رائعه رائعه
مبهرة يا ذات القلم الحر
قلمي حر أيضاً و لهذا أهم ألمك جيداً
مخلوقون في كبد حتى نحقق الحرية لجيمع الأقلام أليس كذلك
لقلبك ميادين السعادة أخية
17 نوفمبر, 2008 عند 3:53 م |
نوفه ؛ أشكرك
نعم في كبد ؛ واجبنا فقط تحرير أقلامنا ؛ أقلامهم الأخرى واجبهم هم
أشكرك مرة أخرى