من أكل التفاحة؟؟

By مـنالـ ـالزهراني / قلمٌ حر

في قارة الغرائب «أفريقيا» تحديداً في عاصمة الصومال؛ يعيش نوع رائع من السلاحف؛ يمتاز بأنه ذو نصل صغير مدبب أسفل ذقنه يستخدمه في الدفاع عن نفسه أو في معارك استعراضية يقيمها الذكور أمام الإناث!؛ هذا النوع من السلاحف مهدد بالانقراض لأن الذكر غير مستعد للتناسل قبل عامه العشرين فيما تعلن الأنثى عن جهوزيتها التامة بإشاعة رائحة جاذبة قوية تصل لمئات الأمتار والتي يتبعها الذكر حتى يصل إلى الأنثى صاحبة الرائحة المستعدة تماماً؛ وفي حال وصول ذكر آخر فإنهما يقيمان أمامها قتالاً استعراضياً فطرياً يستخدمان فيه نصليهما، وفي حال ينجح أحدها في قلب الآخر على ظهره ويُعجزه عن الحركة فإنه يكون الأحق بالأنثى؛ فيهجم عليها؛ وليس بوسعها حينذاك أن تصرخ: راودني الفتى :)


هذه لمحة لطيفة لصورة كونية فطرية؛ تشبه كثيراً الصورة النمطية التي ألصقت بالأثنى البشر! أنها هي مركز روائح الغواية؛ وبالصورة التي ألبست للذكر البشر أنه هو محل البراءة الأصلية ؛ أو البراءة المُعتدى عليها بغواية الأنثى؛ هو المغلوب على أمره؛ وهي المسؤولة مرتان.
تكاد تكون هذه الصورة شائعة في أغلب المجتمعات والثقافات الإنسانية المختلفة الممتدة عبر عصور متعددة تختلف في الكثير من مكوّناتها الثقافية؛ لكنها تكاد تتفق على هذه الصورة أو شيء منها، ربما يكون شيوع هذا الاعتقاد هو نتاج قصة تفاحة الجنة، والزعم بأن حواء هي التي أغوت آدم عليه السلام وسوّلت له المعصية، وما كان منه إلا أن استجاب لغوايتها؛ فبسببها طُردا من الجنة و بسببها أيضاً حُرمنا –كأبناء لهما– من النشأة في الفردوس.
هذا الاعتقاد الذي اخترعته وتبنته الكتب السماوية المحرفة. وباعتبارها المصدر المعرفي الوحيد للعالم الغيبي – الماضي والمستقبلي – فإن هذه المكانة لها كسَت القصة المزعومة قدراً كبيراً من المصداقية والثقة والقداسة؛ فارتقت هذه الخرافة لتكون قضية إيمانية يتبناها المؤمنون ويدافعون عنها؛ بينما وحده «القرآن الكريم» يحكي لنا القصة ويضمن براءة حواء من الغواية؛ ويقدم أمنا حواء وأبانا آدم على أنهما بأكلهما الشجرة مذنبان على درجة سواء؛ ومعاقبان بنفس الدرجة من العقوبة
فعندما يكون ذلك الاعتقاد الخاطئ بغواية الأنثى في مجتمعات تؤمن بالكتب المحرفة أو تميل إليها وتقرأها بإعجاب؛ فإن من يغذي عقله بالفاسد وحده لا بد أن يفسد عقله وبالتالي سلوكه المبني على تلك الخرافات؛ كمن يغذي جسمه بالسموم فيمرض؛ وقد يكون في هذا تبرير غير واسع ولا متكلف في أن يسلك أفراد تلك المجتمعات سلوكيات بهيمية تنسجم مع ما يؤمنون به؛ فتبقى الأنثى تمارس وظيفة الأنثى الأم المزعومة؛ وبكل إخلاص ومواكبة لتقنيات العصر الغوائية؛ ويبقى الذكر متعايشاً مع هذه الغواية بوظيفة الاستجابة فقط.

لكن ماذا عن الثقافات التي لم تتخللها أيّ من الدعوات السماوية؟ ؛ والمجتمعات الوثنية التي لا تتبنى أياً من تلك الكتب المحرفة؟ إنها تتبنى نفس الاعتقاد في صورته الأولية وتزيد عليه من ثقافتها وتنقص؛ هل تسلل إليها من المجتمعات المؤمنة بالسماء!؟ ربما؛ وربما كان تشابه النتيجة الاعتقادية هو بسبب تشابه معطياتها؛ أعني «فساد العقل»؛ وقد يكون الجهل أيضاً مبررا أقرب وأولى وأكثر إعذاراً من التحريف.

لكن هنا؛ عندما تلاصق البراءة الذكر ليكون المُطلّق المظلوم؛ والزوج المسكين العفيف أو الخائن لا فرق ما دامت أنثاه هي المقصرة في حقه دائماً؛ عندما يكون الذكر طُهراً يمشي في الأسواق والأنثى مجرد جسدٍ محفوف بالغواية؛ أو بالعكس أيضاً عندما تعلن هي عن جهوزيتها بعطورها الباريسية ونظراتها القاتلة؛ ثم يُجلد الشاب وحده كنوع من التكحيل الذي يُعمي؛ ويكرّس الناصحون صورة المرأة بأنها الفتنة وتُختصر في هذا المعنى الناتج عن فهم خاطئ لنصٍ معصومٍ من الخطأ؛ حينها، فإن السؤال الذي يبدأ بالطرق إلحافاً: ما دمنا لا نُعذر بالجهل ولا نؤمن بالكتب المحرفة؛ فمن أين استقينا هذه المفاهيم الخاطئة؛ وبأي قداسة غرسناها في صلب الأجيال بل ووضعنا وفقها بعض القوانين؟! بالنسبة لنا أفضل اجتثاث الفكرة بدلاً من نقاشها.
وعوداً إلى المثال الأول؛ فإن علماء الأحياء يعملون على منع انقراض سلاحف مدغشقر؛ بمحاولة تضييق نطاق التعايش المكاني بين الذكور والإناث متعاونين مع روائح الأنثى؛ ليسهل اجتماع القلة منها وبالتالي مضاعفة التناسل،وعندما يضيق نطاق التعايش المكاني بين الذكر والأنثى البشريين؛ تحت أي من الظروف الطارئة؛ عملية كانت أو تعليمية أو غيرها؛ فإن ذلك لا يعني أننا نطالبهما بالتكاثر؛ فثمة علاقات إنسانية أرقى بكثير من الصورة الأولى للإنسان البدائي؛ الصورة الأقرب للبهيمية التي نراها عند غير الإنسان؛ ويجب أن نعمل على إشاعة هذه الصور الراقية المستقاة من مبادئنا الشرعية بدلاً من تكريس المفاهيم المغلوطة وتبرير الأخطاء التي تسهم في انحطاط الإنسان عن مرتبته التي أكرمه الله بها؛ فنحن أولى بالصواب من غيرنا؛ ما دمنا نملك نصوصاً نقدسها في نقض الانحرافات الفكرية/السلوكية وإن شاعت.  

الأوسمة:

اترك رد