‘ إن مهاجمة الغرائز من الجذر تعني مهاجمة الحياة من الجذر ‘
نيتشه
أقرأ هذه الأيام في كتاب (أفول الأصنام – لفريدريك نتشيه) – رغم أنني أختلف معه في الصلب – قراءة متزامنة مع قراءات أخرى في علم النفس ؛ ومعلوم أن ( الغرائز ) بكافة تقسيماتها وأنواعها هي من أهم موضوعات علم النفس .
لا يهمنا أن نبحث الآن ماهية الغرائز ولا أنواعها – وإن كان ذلك مهما – لأنها معروف على الأقل بصورة كافية في أذهاننا فيكفي أن نعرف أن الغرائز حاجات مركبة في الإنسان ( فطرياً ) لا اكتساباً يميل الإنسان فطرياً أيضاً إلى إشباعها والغرائز تفصح عن نفسها بمظاهر تسمى (دوافع) وبطبيعة الحال فهي أهمّ محركات سلوك الإنسان ؛ يكفي لنتخذ من هذه المعرفة سبيلاً لمعرفة أخرى هي كيفية التعامل معها ؟ وهنا المحكّ
عبارة نيتشه رائعة جداً ؛ وهو يعارض بها من يدعي أن علاج الغرائز هو استئصالها وكبح دوافعها؛ ليدعم دعواه المتطرفة أيضاً إلى إفلات الغرائز ؛ وهو يدعي أيضاً أن إفلاتها هو اعتراف بها وبوجودها على الطريقة التي وُجدت بها أصلاً ؛ من هنا يتضح المذهبين المتطرفين في التعامل مع الغرائز:
- مذهب لا يتفهّم حقيقة الغريزة كـ ( حاجة ) مُركبة في الإنسان ؛ وبالتالي يُطالب باستئصالها ؛ وهذا مذهب كنسي في غالبه ودعوة دينية في غالبها تتجلى في التصوّف المقيت ؛ فالنصارى مثلاً يحُرمون على قدّسيهم الزواج! يمثلها نقل نقله نيتشه عن العهد القديم يقول: ” إذا كانت عينك موضوع ذنب لك فاستأصلها”
- مذهب انفلاتي يعترف بالغريزة كـ ( حاجة ) إنسانية ؛ ويدّعي أنه لا بد أن تأخذ الغريزة شكلها البدائي دون كبت أو مقاومة ؛ بمعنى المحافظة على بهيمية الإنسان دون ارتقاء ؛ ونيتشه يدعم هذه المذهب في كتابه.
إذا نظرنا للمناهج التعاملية مع الإنسان كذات ؛ فإننا سنجد الكثير من المناهج المطروحة ؛ سواء كانت دينية بحته أو فلسفية أو علمية أو تحت أي تصنيف شئتم ؛ لا يهم ؛ فالمهم أن هناك منهجية مطروحة.
وفي هذا الخصوص ؛ لدينا منهجية إسلامية للتعامل مع الغرائز أراها – أنا على الأقل – منهجية تقرُّ مع الوسط ولا تميل لأي من طرفي النقيض ؛ وتُوازن تماماً بين الغريزة والإنسان ذاته ؛ مما يلغي الصراعات الذاتية الجالبة لكل طقوس التعاسة في نفس الفرد ؛ ومن ثم الجماعة .
بما يمكن أن نسميه بـ (تهذيب الغرائز وتوجيه الدوافع)
مثلاً 1 / غريزة البقاء بمظهر حب التملك والهيمنة على الآخر فالإسلام وسط بين الشيوعية والرأسمالية معترفاً بحق الفرد في التملك الخاص مع إشاعة جزء ( إذا وصل النصاب ) للأهل الزكاة ؛ وبمظهر حب الاستطلاع فالإسلام يدعو للسياحة في الأرض واستطلاع المخبوءات حتى في أقربها وأدقها ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) لكنه في نفس الوقت يحرم التجسس والتطلع لما يملكه الآخرون احتراماً لحقهم في ممارسة غرائزهم أيضاً والحفاظ على ملكياتهم وخصوصياتهم.
مثلاً 2/الإسلام لا يُحرم الزواج أصلاً ؛ بل يعطيه الأحكام الخمسة في مرونة لا مثيل لها للتعامل مع الغرائز الداعية إليه تهدف لتهذيب الإنسان والتسامي به ؛ دون تشدد وتنطع ؛ فمن مُحركاته النظر رغم ذلك الإسلام لا يطلب منك أن تستأصل عينيك أو حتى تغمضها المطلوب هو ( الغضّ ) فقط! حتى دون تحريك الرأس لجهة مخالفة ؛ وإن كان فأمامك أبواب الرجوع ؛ والتوبة بحد ذاته موضوع منفرد في إقرار الرب جل وعلا لإنسانيتك وغرائزك؛ هذا يجرني إلى منهجية الإسلام ( الحسابية: عقاباً وثواباً ) – وبحثها هام لأنها مُهذِّبة وموجهة للغريزة والدافع أي السلوك أخيراً – فهي تتعامل بسمو خالص مع الغريزة ؛ فمثلا جزاء الشاب أخف من جزاء الشيخ لأن الحاجة لإشباع غريزة الأول أشد من الأخير ؛ والله يعجب للشاب ليست له صبوة! مع ذلك هو يظل الشاب الناشئ في طاعة الله كأحد سبعة يظلهم تحت ظله يوم القيامة! ( كأصل لا ينفي الاستثناء )؛ ناهيك عن قصة يوسف المُنبأة في القرآن كقصة شاب نبي مع ذلك هو يهمّ ويصبو ( إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين!) لماذا ؟ لأننا ببساطة بشر! وأي خروج عن هذا لا يكون إلا إلى الطرفين السابقين المتناقضين مع حقيقة الإنسان نفسه ( تصوّف أو بهيمية بحتة ) .هذا الاختلاف الحسابي من ناحيةالإنسان نفسه ؛ وهناك إختلاف آخر من ناحية الخطيئة نفسها ؛ وأنا أعني بالطبع الخطايا المتعلقة بالغرائز ؛ كشرب الخمر أو أكل المحرمات أو النظر المحرم؛ فالإسلام يراعي الحاجة الغرائزية ودواعيها ليقسمها مثلاً إلى صغائر وكبائر؛ والهدف هو السمو بالإنسان نفسه مع نفسه بتفهّم وتدرج دون أن يصطدم بعنف مع ذاته ( غرائزه ) وفي نفس الوقت يرتقي بهذه الغريزة ويهذبها ؛ مما ينعكس على المجتمع والحياة ؛ فيكون لدينا على الأقل مجتمع صالح لأن نعيش فيه بسلام ؛ وكما يقول نيتشه (سعادة مليئة براحة الضمير ! )
أخيراً /
ماذا لو تبحثوا في تفاصيل هذه المنهجية القرآنية لوصف مجتمع الصالحين غرائزياً !!! : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) من سورة النجم .
4 مايو, 2008 عند 5:50 ص |
صباح الخير ياصديقتي ..وورد بريس يقول لي
لايوجد تعليقات) وأنا أهمس في اذنه ..يجب أن توجد تعليقات وأن يحتفي هذا المجتمع التدويني بمدونة واعية مثلك يامنال ؛ قلتُ وسأقول :الإنسان روح وجسد ..قبضة من طين ونفخة من روح الله ..ومابينهما يكون ..ينخفض للأرض ويرتفع للسماء وهو في هاذين “إنسان” ..النظرة المتطرفة التي تغالي في صلاح الإنسان وتلزمه مالايستطيع هي ماتجعل بعض أفراد المجتمع يمارس (إنسانيته) سراً ويعصي ربه كأي بشر …. فيأتي المجتمع المتطرف ويلقي عليه تهم النفاق ..
والذي نفسي بيده ! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم ) صحيح مسلم
كلامي ليس تسويغاً للذنب بل هو محاولة فهم أخرى للذنب؛ فهم أكثر لمعنى الذنب والمعصية و(التوبة) في ثقافة الإنسان المسلم ..
بعيداً عن نيتشه وفلسفته التي لاتهمني ؛ أنظر إلى السنة وأحاديث الصحابة ورفق النبي صلوات الله وسلامه عليه بماعز والرجل الذي جاءه زانياً والرجل الذي تأخر على رسول الله لأنه نظر لأمرأة تغتسل فحبس نفسه في داره..
أحداث كثيرة كلها كانت تؤيد(واقعية الخطاب الإسلامي) وعمق فهمه لاحتياجات الإنسان ..
من شوّه هذا الخطاب؟
من حمل الناس على سوط الفضيلة المزعوم؟
من أجبر الناس على النفاق ؟
من كرّه التوبة ؟
من أقفل باب الله ؟
من يامنال ..من !!
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم
وكذلك قال:(…..وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يذنبه )صحيح أو حسن /قاله الألباني
مابين هذين الحديثين (نحن) يامنال ..
4 مايو, 2008 عند 7:22 ص |
حركات الإصلاح و التنوير التي نشأت كردة فعل على القمع الكنسي في أوروبا لا تخلو من التطرف في فهمها للغرائز ..
على اختلاف منظوراتها الفكرية إلا أنها تتفق في كونها “تطرف” ..
و هنا يمكننا تطبيق نظرية نيوتن في الحياة ..
لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار و معاكسة له في الاتجاه ..
كما تفضلتِ نشأت نظريات و أفكار غريزية بحتة – و ما نظريات نيتشه و فرويد إلا بعضها – أسقطت الانسانية في الحضيض ..
و لا أعلم ماذا تبقى في الانسان إن سقطت انسانيته و تحكمت فيه غرائزه !
أجمل ما في الإسلام أنه أعطى الغرائز الانسانية قيمة في الحياة و عمل على تهذيبها و تحسينها بما فيه صلاح المجتمع ..
شكراً لهذا القلم و هذا الفكر يا منال .. : )
4 مايو, 2008 عند 1:51 م |
لي عودة..
4 مايو, 2008 عند 7:49 م |
مرحباً بعودتكم أولاً …
موافق لطرحكم ثانياً !
5 مايو, 2008 عند 2:36 م |
مساء الخير آلاء ؛ أشكرك ؛ وهذا الموضوع بالذات يهمني دون سواه ؛ سبق ونشرته في جسد الثقافة لكن أيضاً لم أجد من يضيف .
وبدأت من نيتشه ليست بداية بالأولوية ؛ إنما كمحاولة لرؤية شاملة لأمهات الفلسفات ؛
عندما تتسائلين : من حمل الناس على النفاق؟
يبدو أن الجواب فاي أو ضمن المجموعة الخالية!
ليس لأنه غير موجود ولكن لأنه مامن أحد يجرؤ أن يعترف به
أن يقول: أن هذا المجتمع المحاااافظ المتدييييين ؛ ليس محافظاً ولا متدينا إلا بالمقارنة!
أي إذا قارناه بغيره! وهنا قشة البعير!
لكن دعونا نقارنه بالدين نفسه! بما يحب الله !!
هنا سنجد : فاي!
إننا مجتمع قلق ؛ مضطرب ، لا يعرف ولا يعرف أنه لا يعرف ؛
يضع أفراده في خانتين فقط: طابور الملائكة ؛ وطابور الشياطين!
عندما تكونين طالبة شريعة مثلاً وينظرون إليك شزراً لأنك تضعين : الهيدفون! هنا هم يطالبونك بالنفاق!
عندما يكون هو ملتحياً ويرونه يلعب كرة قدم ( كأي بشر ) يأنفون منه ؛ وبنظرة واحدة كافية لأن يدفعونه للنفاق أكثر وأكثر ؛ إلى أن يهاجم غرائزه من الجذر.
فكيف لو رأوه على مشتبه أو حرام!
شكراً لمثلك أن تكون هنا.
5 مايو, 2008 عند 10:29 م |
،
جميل جميل
بالدهش مني هذا المنبر يا منال !
8 مايو, 2008 عند 2:06 ص |
محمد المغلوث/
صحيح ما ذكرت؛ والإنسان إذا وصل للأقصى ليس أمامه إلا أن يرتد إلى الحد الأقصى المضاد ؛ إلا أن يتدراكه الله برحمته ..
جعلتني اتساءل:
إذا كانت غرائزهم انفلتت بسبب القمع الكنسي ؛ لماذا انفلتت الغرائز هنا؟
هل مررنا – في مرحلة ما – بمرحلة كبت ديني للغرائز- تحت أي مسمى كان- ؟
هناك فقرة ساقطة ؟!!
لاحظ أنني تكلمت عن منهجية متمثلة في دين سماوي كامل( الإسلام ) ومنهجية أخرى متمثلة في دين سماوي محرّف هو ( النصرانية ) ومنهجية ثالثة متمثلة في عقل رجل ( نيتشه )
لم تكن المعركة عادلة تماماً
ماذا لو تكلمنا عن منهجية متمثلة في (مسلمين )!
هل يفسر هذا لنا لماذا ننفرد بهيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
ممممممممـ أريد أن افكر
أشكرك لأنك تفتح لي أفقاً أوسع مما أرى ..
إن كنت تحمل جواباً فـ جُد به علينا ..
مشكوراً محمد
8 مايو, 2008 عند 2:11 ص |
أبو علي /
بالانتظار …
الخلوق/
مرحباً بك ؛ وأشعر أني مُدينة
شكراً لرأيك.
الجميلة النهى /
يا هلا بك.f
8 مايو, 2008 عند 11:07 م |
تدوينة تستحقين الشكر عليها ..
نعم الاسلام جاء وسطاً ومقوما للإنسان بشرائعه وأحكامه فضبط للإنسان غرائزه وشهواته بحدود وبضوابط .. ( وكذلك جعلناكم امة وسطا ) .
لا .. بل جعل الإسلام لمن يقضي شهوته وغريزته في الحلال له أجراً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وفي بضع أحدكم صدقة )) .
ومن أخظىء في توجيه غرزيته وشهوته .. بقي له بابٌ للتوبة والأوبة .
لله الحمد دينٌ عظيمُ كامل..
شكراً منال على هذا الطرح المميز ..
9 مايو, 2008 عند 3:43 م |
أجمل ما في ديننا هو هذه الوسطية .. جداً رائعة لو تأملنا
لا يكبح جماح رغبات النفس ، بل يوجهها التوجيه الصحيح !
.
.
شكراً أختي منال
9 مايو, 2008 عند 5:23 م |
مخك كبير!
وردك على آلاء و المغلوث أكببببببر
سأتابع بصمت!
10 مايو, 2008 عند 5:34 م |
وردة الحياة /
وشكراً لحضورك .
ملائكة/
ليس إلى هذا الحد
بل أحيانا أطرح الفكرة لأستفيد من غيري
29 مايو, 2008 عند 3:03 ص |
في زَمنٍ مَضى ..
أوجَعتْني سِياط النَّدم ..!
بُتُّ أرَى تَدثري بِنفَاقٍ مُهْلك ..!
كانَ ذاك شُعُورٌ قَتَلَ فِيَّ كُلَّ جَميْل ..!
حِيْنهَا .. لَيْتني كُنت أعِي الوَسطِيَّة ..!
شكراً أديْبتنا الفَذَّة .. فقد نَكَأتِ الجِراح ..!
نَبْعـ ..
30 مايو, 2008 عند 2:53 ص |
نبع الوفا /
كلنا ذاك المنكفئ على جراحه!
ذلك المتأرجح بين طرفين …
الاستقرار في المنتصف ..عزيز!
لا أبالغ إن قلت… لا بد فيه من جراح!
عميقة!
نبع… أحب أن تكونـ/ـي هنا .. دائماً